فصل: كتاب الكفارة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح المحلي على المنهاج



. كتاب الكفارة:

ذَكَرَ فِيهِ خِصَالَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَقَطْ، وَصَدَّرَهُ بِمَا يُعْتَبَرُ فِي أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ فَقَالَ، (يُشْتَرَطُ نِيَّتُهَا) أَيْ كَأَنْ يُعْتِقَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ، فَلَا يَكْفِي بِنِيَّةِ الْعِتْقِ الْوَاجِبِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ نَذْرٍ وَكَذَا يُقَالُ فِي الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ (لَا تَعْيِينُهَا) بِأَنْ يُقَيِّدَ بِالظِّهَارِ، أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ وَقَتْلٍ فَأَعْتَقَ عَبْدًا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ وَقَعَ مَحْسُوبًا عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْيِينُهَا فِي النِّيَّةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا فِي مُعْظَمِ خِصَالِهَا نَازِعَةٌ إلَى الْغَرَامَاتِ، فَاكْتُفِيَ فِيهَا بِأَصْلِ النِّيَّةِ فَإِنْ عَيَّنَ فِيهَا وَأَخْطَأَ، كَأَنْ نَوَى كَفَّارَةَ قَتْلٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ لَمْ يُجْزِئْهُ مَا أَتَى بِهِ بِتِلْكَ النِّيَّةِ عَمَّا عَلَيْهِ، وَتُشْتَرَطُ نِيَّةُ الذِّمِّيِّ فِي الْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لِصِحَّتِهَا مِنْهُ وَنِيَّتُهُ لِلتَّمْيِيزِ دُونَ التَّقَرُّبِ، وَيُمْكِنُ مِلْكُهُ لِلرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ كَأَنْ يَعْلَمَ عَبْدَهُ أَوْ عَبْدَ مُوَرِّثِهِ فَيَنْتَقِلَ إلَيْهِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ لِتَمَحُّضِهِ قُرْبَةً وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى الْإِطْعَامِ بِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، بِالْإِسْلَامِ فَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَتْرُكَ الْوَطْءَ أَوْ تَسْلُكَ طَرِيقَ حِلِّهِ مِنْ الصَّوْمِ بِأَنْ تُسْلِمَ وَتَأْتِيَ بِهِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: حَيْثُ لَمْ تَمْلِكْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً إمَّا أَنْ تَتْرُكَ الْوَطْءَ أَوْ تَسْلُكَ طَرِيقَ حِلِّهِ مِنْ إعْتَاقِ الْمُؤْمِنَةِ بِأَنْ تُسْلِمَ فَتَمْلِكَهَا وَتُعْتِقَهَا.
(وَخِصَالُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ) ثَلَاثٌ إحْدَاهَا (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) قَالَ - تَعَالَى -: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} الْآيَةَ، وَقَالَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُطْلَقَ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الثَّانِي قِيَاسًا بِجَامِعِ حُرْمَةِ سَبَبَيْهِمَا مِنْ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ (بِلَا عَيْبٍ يُخِلُّ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ) لِيَقُومَ بِكِفَايَتِهِ فَيَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَاتِ وَوَظَائِفِ الْأَحْرَارِ فَيَأْتِيَ بِهَا تَكْمِيلًا لِحَالِهِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْعِتْقِ، وَالْعَاجِزُ عَنْ الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ، لَا يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَحْصُلُ بِعِتْقِهِ مَقْصُودُ الْعِتْقِ فَلَا يُجْزِئُ، وَفَرَّعَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَا بَيَّنَهُ إجْزَاءً وَمَنْعًا بِقَوْلِهِ (فَيُجْزِئُ صَغِيرٌ وَأَقْرَعُ وَأَعْرَجُ يُمْكِنُهُ تِبَاعُ مَشْيٍ) بِأَنْ يَكُونَ عَرَجُهُ غَيْرَ شَدِيدٍ (وَأَعْوَرُ وَأَصَمُّ وَأَخْرَسُ) يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ (وَأَخْشَمُ وَفَاقِدُ أَنْفِهِ وَ) فَاقِدُ (أُذُنَيْهِ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ)، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَا تُخِلُّ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ (لَا زَمِنٌ وَلَا فَاقِدُ رِجْلٍ، أَوْ خِنْصَرٍ وَبِنْصِرٍ مِنْ يَدٍ أَوْ أُنْمُلَتَيْنِ مِنْ) أُصْبُعٍ. (غَيْرِهِمَا قُلْت: أَوْ أُنْمُلَةِ إبْهَامٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِإِخْلَالِ كُلٍّ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجْزِي فَاقِدُ يَدٍ وَلَا فَاقِدُ أَصَابِعِهَا، وَلَا فَاقِدُ أُصْبُعٍ مِنْ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ الْوُسْطَى، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ فَاقِدُ خِنْصَرٍ مِنْ يَدٍ وَبِنْصِرٍ مِنْ الْأُخْرَى وَفَاقِدُ أُنْمُلَةٍ مِنْ غَيْرِ الْإِبْهَامِ فَلَوْ فُقِدَتْ أَنَامِلُهُ الْعُلْيَا مِنْ الْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ أَجْزَأَ وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِيهِ، وَلَا يُجْزِئُ الْجَنِينُ، وَإِنْ انْفَصَلَ لِمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ لَا يُعْطَى حُكْمَ الْحَيِّ، وَقِيلَ إنْ انْفَصَلَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ الْإِجْزَاءُ (وَلَا) يُجْزِئُ (هَرِمٌ عَاجِزٌ) عَنْ الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْعَاجِزِ فَيُجْزِئُ (وَ) لَا (مَنْ أَكْثَرَ وَقْتِهِ مَجْنُونٌ) فِيهِ تَجَوُّزٌ بِالْإِسْنَادِ إلَى الزَّمَانِ، وَالْأَصْلُ وَلَا مَنْ هُوَ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ مَجْنُونٌ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ فِي أَكْثَرِهَا عَاقِلٌ، فَيُجْزِئُ تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ فِي الشِّقَّيْنِ وَمَنْ اسْتَوَى فِيهِ زَمَنُ جُنُونِهِ وَزَمَنُ إفَاقَتِهِ يُجْزِئُ فِي الْأَصَحِّ (وَلَا مَرِيضٌ لَا يُرْجَى) بُرْؤُهُ كَصَاحِبِ السُّلِّ فَإِنَّهُ كَالزَّمِنِ بِخِلَافِ مَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ فَيُجْزِئُ.
(فَإِنْ بَرِئَ) مَنْ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ بَعْدَ إعْتَاقِهِ (بَانَ الْإِجْزَاءُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ (وَ) الثَّانِي (لَا) يُجْزِئُ، لِأَنَّ نِيَّةَ الْكَفَّارَةِ بِمَا يُظَنُّ عَدَمُ بُرْئِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِنْ مَاتَ مَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ بَعْدَ إعْتَاقِهِ فَقِيلَ لَا يُجْزِئُ لِتَبَيُّنِ خِلَافِ الْمَظْنُونِ وَالْأَصَحُّ إجْزَاؤُهُ، وَمَوْتُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَرَضٍ آخَرَ. وَلَا (يُجْزِئُ شِرَاءُ قَرِيبٍ) يَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ الْأُصُولِ، أَوْ الْفُرُوعِ (بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ)، لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِجِهَةِ الْقَرَابَةِ فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهَا إلَى الْكَفَّارَةِ (وَلَا) عِتْقُ (أُمِّ وَلَدٍ وَذِي كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ) عَنْ الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّ عِتْقَهُمَا مُسْتَحَقٌّ بِالْإِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ فَيَقَعُ عَنْهُمَا دُونَ الْكَفَّارَةِ أَمَّا الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَيُجْزِئُ، عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْأَصَحِّ لِكَمَالِ رِقِّهِ (وَيُجْزِئُ مُدَبَّرٌ وَمُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ) يُنَجَّزُ عِتْقُهُمَا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ عَنْهَا لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا وَالْمُدَبَّرُ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: إذَا مُتّ فَأَنْتَ حُرٌّ (فَلَوْ أَرَادَ) بَعْدَ التَّعْلِيقِ بِصِفَةٍ (جَعْلَ عِتْقِ الْمُعَلَّقِ كَفَّارَةً) عِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ بِأَنْ يُعِيدَ التَّعْلِيقَ وَيَزِيدَ فِيهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ يَقُولَ: إنْ دَخَلْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي (لَمْ يَجُزْ) مَا أَرَادَهُ فَلَا يَعْتِقُ الْمُعَلَّقُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ عَنْ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقُّ الْعِتْقِ بِالتَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ فَيَقَعُ عَنْهُ.
(وَلَهُ تَعْلِيقُ عِتْقِ الْكَفَّارَةِ بِصِفَةٍ) كَأَنْ يَقُولَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي فَيَعْتِقُ عَنْهَا بِالدُّخُولِ (وَ) لَهُ (إعْتَاقُ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتَيْهِ عَنْ كُلٍّ) مِنْهُمَا (نِصْفَ ذَا) الْعَبْدِ (وَنِصْفَ ذَا) الْعَبْدِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَعَ الْعِتْقُ كَذَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ إعْتَاقِ الْعَبْدَيْنِ عَنْ الْكَفَّارَتَيْنِ بِمَا فَعَلَ. وَقِيلَ: يَعْتِقُ عَبْدٌ عَنْ كَفَّارَةٍ وَعَبْدٌ عَنْ الْأُخْرَى وَيَلْغُو تَعَرُّضُهُ لِلنِّصْفَيْنِ. (وَلَوْ أَعْتَقَ مُعْسِرٌ نِصْفَيْنِ) لَهُ مِنْ عَبْدَيْنِ (عَنْ كَفَّارَةٍ) عَلَيْهِ (فَالْأَصَحُّ الْإِجْزَاءُ إنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَقِيقًا وَالْفَرْقُ أَنَّهُ حَصَلَ مَقْصُودُ الْعِتْقِ عَنْ التَّخْلِيصِ مِنْ الرِّقِّ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَقِيلَ يُجْزِئُ إعْتَاقُ النِّصْفَيْنِ مُطْلَقًا تَنْزِيلًا لَهُمَا مَنْزِلَةَ الْوَاحِدِ الْكَامِلِ، وَقِيلَ لَا يُجْزِئُ إعْتَاقُهُمَا مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ. (وَلَوْ أَعْتَقَ) عَبْدًا عَنْ كَفَّارَةٍ (بِعِوَضٍ) عَلَى الْعَبْدِ كَأَنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ دِينَارًا (لَمْ يُجْزِئْ) ذَلِكَ الْإِعْتَاقُ (عَنْ كَفَّارَةٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يُجَرِّدْ الْإِعْتَاقَ لَهَا بَلْ ضَمَّ إلَيْهَا قَصْدَ الْعِوَضِ وَقِيلَ يُجْزِئُ عَنْهَا وَيَسْقُطُ الْعِوَضُ وَاسْتَطْرَدَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لَهُمْ بِذِكْرِ مَسَائِلَ فِيمَنْ اسْتَدْعَى الْإِعْتَاقَ بِعِوَضٍ فَقَالَ:
(وَالْإِعْتَاقُ بِمَالٍ كَطَلَاقٍ بِهِ) أَيْ فَهُوَ مِنْ جَانِبِ الْمَالِكِ مُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَائِبَةُ التَّعْلِيقِ وَمِنْ جَانِبِ الْمُسْتَدْعِي مُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَائِبَةُ الْجَعَالَةِ (فَلَوْ قَالَ: أَعْتِقْ أُمَّ وَلَدِك عَلَى أَلْفٍ فَأَعْتَقَ نَفَذَ) الْإِعْتَاقُ (وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ) الْمَذْكُورُ وَكَانَ ذَلِكَ افْتِدَاءً مِنْ الْمُسْتَدْعِي كَاخْتِلَاعِ الْأَجْنَبِيِّ (وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى كَذَا فَأَعْتَقَ) فَإِنَّهُ كَمَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ قَطْعًا يَلْزَمُهُ الْعِوَضُ (فِي الْأَصَحِّ) لِالْتِزَامِهِ إيَّاهُ وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ إذْ لَا افْتِدَاءَ فِي ذَلِكَ لِإِمْكَانِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الْعَبْدِ بِخِلَافِ أُمِّ وَلَدٍ (وَإِنْ قَالَ: أَعْتِقْهُ عَنِّي عَلَى كَذَا فَفَعَلَ عَتَقَ عَنْ الطَّالِبِ وَعَلَيْهِ الْعِوَضُ). لِتَضَمُّنِ مَا ذُكِرَ لِلْبَيْعِ لِتَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَى الْمِلْكِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعْنِيهِ بِكَذَا وَأَعْتِقْهُ عَنِّي وَقَدْ أَجَابَهُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَقِبَ لَفْظِ الْإِعْتَاقِ) مِنْ الْمُجِيبِ كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُهُ عَنْك لِأَنَّهُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْمِلْكُ (ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) لِتَأَخُّرِ الْعِتْقِ عَنْ الْمِلْكِ وَقِيلَ: يَحْصُلُ الْمِلْكُ وَالْعِتْقُ مَعًا عِنْدَ تَمَامِ لَفْظِ الْإِعْتَاقِ لِحُصُولِهِمَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ مَنْ يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَقَالَ (وَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا، أَوْ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَسُكْنَى وَأَثَاثًا لَا بُدَّ مِنْهُ لَزِمَهُ الْعِتْقُ) أَيْ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا ذُكِرَ بِوَصْفِهِ كَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى خِدْمَتِهِ لِمَرَضٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ ضَخَامَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ خِدْمَتِهِ نَفْسَهُ، أَوْ مَنْصِبٍ يَأْبَى أَنْ يَخْدُمَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالْمَعْدُومِ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ فَيَلْزَمُهُ الْإِعْتَاقُ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ بِصَرْفِ الْعَبْدِ إلَى الْكَفَّارَةِ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَإِنَّمَا يَفُوتُهُ نَوْعُ رَفَاهِيَةٍ وَسَكَتُوا عَنْ تَقْدِيرِهِ مُدَّةَ النَّفَقَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا، وَجَوَّزَ الرَّافِعِيُّ أَنْ تُقَدَّرَ بِالْعُمُرِ الْغَالِبِ، وَأَنْ تُقَدَّرَ بِسَنَةٍ، لِأَنَّ الْمُؤْنَاتِ تَتَكَرَّرُ فِيهَا، وَالصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِي.
(وَلَا يَجِبُ بَيْعُ ضَيْعَةٍ، وَرَأْسُ مَالٍ لَا يَفْضُلُ دَخْلُهُمَا) مِنْ غَلَّةِ الضَّيْعَةِ وَرِبْحِ مَالِ التِّجَارَةِ (عَنْ كِفَايَتِهِ) لِتَحْصِيلِ عَبْدٍ يُعْتِقُهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمَا (وَلَا) بَيْعُ (مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ نَفِيسَيْنِ أَلِفَهُمَا فِي الْأَصَحِّ). لِعُسْرِ مُفَارَقَةِ الْمَأْلُوفِ وَنَفَاسَتِهِمَا بِأَنْ يَجِدَ بِثَمَنِ الْمَسْكَنِ مَسْكَنًا يَكْفِيهِ وَعَبْدًا يُعْتِقُهُ، وَبِثَمَنِ الْعَبْدِ عَبْدًا يَخْدُمُهُ وَآخَرَ يُعْتِقُهُ وَالثَّانِي يَجِبُ بَيْعُهُمَا لِتَحْصِيلِ عَبْدٍ يُعْتِقُهُ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى مُفَارَقَةِ الْمَأْلُوفِ فِي ذَلِكَ أَمَّا إذَا لَمْ يَأْلَفْهُمَا فَيَجِبُ بَيْعُهُمَا لِتَحْصِيلِ عَبْدٍ يُعْتِقُهُ جَزْمًا. (وَلَا) يَجِبُ (شِرَاءٌ بِغَبْنٍ) كَأَنْ وَجَدَ عَبْدًا لَا يَبِيعُهُ مَالِكُهُ إلَّا بِثَمَنٍ غَالٍ (وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ اعْتِبَارُ الْيَسَارِ) الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الْإِعْتَاقُ (بِوَقْتِ الْأَدَاءِ) لِلْكَفَّارَةِ وَالثَّانِي بِوَقْتِ الْوُجُوبِ لَهَا، وَالثَّالِثُ بِأَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ وَقْتَيْ الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ وَالرَّابِعُ بِأَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَالْأَخِيرَانِ مُخَرَّجَانِ فَالْمُعْسِرُ وَقْتَ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ وَقْتَ الْوُجُوبِ عَلَى الثَّانِي، وَفِي الْوَقْتَيْنِ عَلَى الثَّالِثِ فَرْضُهُ الصَّوْمُ فَإِنْ أَعْتَقَ كَأَنْ اقْتَرَضَ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ، وَأَيْسَرَ الثَّانِي أَجْزَأَهُ لِلتَّرَقِّي إلَى الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا، وَقِيلَ لَا لِتَعَيُّنِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ، وَالْمُوسِرُ وَقْتَ الْوُجُوبِ فَرْضُهُ عَلَى الثَّانِي، وَمَا بَعْدَهُ الْإِعْتَاقُ، وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْعَبْدُ الْمُظَاهِرُ لَا يَتَأَتَّى تَكْفِيرُهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَالْإِطْعَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا بِتَمْلِيكِ غَيْرِ السَّيِّدِ وَلَا بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ فِي الْأَظْهَرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى الثَّانِي إذَا مَلَّكَهُ طَعَامًا لِيُكَفِّرَ بِهِ فَفَعَلَ جَازَ، أَوْ عَبْدًا لِيُكَفِّرَ بِهِ لَمْ يَجُزْ لِاسْتِعْقَابِ الْإِعْتَاقِ لِلْوَلَاءِ وَلَا وَلَاءَ لِلرَّقِيقِ وَتَكْفِيرُهُ بِالصَّوْمِ: لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُهُ مِنْهُ. إنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، ثُمَّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ الْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ.
فَقَالَ (فَإِنْ عَجَزَ) أَيْ الْمُظَاهِرُ (عَنْ عِتْقٍ) حِسًّا وَشَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ (صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِالْهِلَالِ بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ) أَيْ لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ لَيْلَتِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي صَوْمِ الْفَرْضِ (وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ تَتَابُعٍ فِي الْأَصَحِّ)، لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فِي الْعِبَادَةِ وَالْهَيْئَةُ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهَا فِي النِّيَّةِ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ كُلَّ لَيْلَةٍ لِيَكُونَ مُتَعَرِّضًا لِخَاصَّةِ هَذَا الصَّوْمِ (فَإِنْ ابْتَدَأَ) بِالصَّوْمِ (فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ حَسَبَ الشَّهْرَ بَعْدَهُ بِالْهِلَالِ وَأَتَمَّ الْأَوَّلَ مِنْ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ) يَوْمًا لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ فِيهِ إلَى الْهِلَالِ (وَيَزُولُ التَّتَابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمٍ بِلَا عُذْرٍ) فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ وَلَوْ كَانَ الْفَائِتُ الْيَوْمَ الْأَخِيرَ، أَوْ الْيَوْمَ الَّذِي نُسِيَتْ النِّيَّةُ لَهُ وَالنِّسْيَانُ لَا يُجْعَلُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ، وَهَلْ يَبْطُلُ مَاضٍ، أَوْ يَنْقَلِبُ نَفْلًا فِيهِ قَوْلَانِ (وَكَذَا) بِفَوَاتِهِ (بِمَرَضٍ) بِأَنْ أَفْطَرَ فِيهِ (فِي الْجَدِيدِ) لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ بِفِعْلِهِ وَالْقَدِيمُ لَا يَزُولُ التَّتَابُعُ بِالْفِطْرِ لِلْمَرَضِ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِ (لَا بِحَيْضٍ) فِي كَفَّارَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ الْقَتْلِ، لِأَنَّهُ يُنَافِي الصَّوْمَ وَلَا تَخْلُو عَنْهُ ذَاتُ الْأَقْرَاءِ فِي الشَّهْرَيْنِ غَالِبًا، وَالتَّأْخِيرُ إلَى سِنِّ الْيَأْسِ فِيهِ خَطَرٌ وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ وَقِيلَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ لِنُدْرَتِهِ (وَكَذَا جُنُونٌ) فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ بِهِ التتابع (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِمُنَافَاتِهِ لِلصَّوْمِ كَالْحَيْضِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِيهِ قَوْلَا الْمَرَضِ.
ثُمَّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ الْخَصْلَةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ صَوْمٍ بِهَرَمٍ، أَوْ مَرَضٍ قَالَ الْأَكْثَرُونَ) مِنْ الْأَصْحَابِ (لَا يُرْجَى زَوَالُهُ) وَقَالَ الْأَقَلُّونَ كَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ يَدُومُ شَهْرَيْنِ فِيمَا يُظَنُّ بِالْعَادَةِ، أَوْ بِقَوْلِ الْأَطِبَّاءِ (أَوْ لَحِقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، أَوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضٍ كَفَّرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (أَوْ فَقِيرًا) لِأَنَّهُ أَشَدُّ حَالًا مِنْهُ كَمَا تَبَيَّنَ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ (لَا كَافِرًا وَلَا هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا) كَمَا فِي الزَّكَاةِ (سِتِّينَ مُدًّا) لِكُلِّ وَاحِدٍ مُدٌّ (مِمَّا يَكُونُ فِطْرَةً) مِنْ الْحَبِّ الَّذِي هُوَ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِ الْمُكَفِّرِ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فَلَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَالسَّوِيقُ، وَقِيلَ يُجْزِئُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ رِطْلَيْ خُبْزٍ وَقَلِيلَ أُدْمٍ وَتَقَدَّمَ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّ الْمَكْفِيَّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ، أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الْأَصَحِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُزَادَ عَلَى الْمَنْفِيَّاتِ هُنَا، وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَالزَّوْجَةِ، وَالْقَرِيبِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ الصَّرْفُ إلَيْهِ لِخُرُوجِهِ بِذِكْرِ الْفَقِيرِ، وَ ( لَا ) هُنَا اسْمٌ بِمَعْنَى ( غَيْرَ ) ظَهَرَ إعْرَابُهَا فِيمَا بَعْدَهَا لِكَوْنِهَا عَلَى صُورَةِ الْحَرْفِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُسْتَثْنَى وَيُزَادُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَالْمُكَاتَبُ فَلَا يُجْزِئُ الصَّرْفُ إلَيْهِمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ وَهِيَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ الْجَمِيعِ، اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْأَظْهَرِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ فَعَلَهَا، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ السُّقُوطُ فَيَأْتِي ذَلِكَ هُنَا.

. كتاب اللعان:

هُوَ كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ - أَرْبَعَ مَرَّاتٍ -: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ هَذِهِ مِنْ الزِّنَى إلَى آخِرِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ (يَسْبِقُهُ قَذْفٌ وَصَرِيحُهُ) أَيْ الْقَذْفِ مُطْلَقًا (الزِّنَى كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ: زَنَيْتَ أَوْ زَنَيْتِ أَوْ يَا زَانِي أَوْ يَا زَانِيَةُ) لِشُهْرَتِهِ فِيهِ وَلَوْ كَسَرَ التَّاءَ فِي خِطَابِ الرَّجُلِ أَوْ فَتَحَهَا فِي خِطَابِ الْمَرْأَةِ أَوْ قَالَ لِلرَّجُلِ يَا زَانِيَةُ وَلِلْمَرْأَةِ يَا زَانِي فَكَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّحْنَ فِي ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْفَهْمَ (وَالرَّمْيُ بِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ فِي فَرْجٍ مَعَ وَصْفِهِ) أَيْ الْإِيلَاجِ (بِتَحْرِيمٍ أَوْ) بِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ (فِي دُبُرٍ صَرِيحَانِ) فَإِنْ لَمْ يُوصَفْ الْأَوَّلُ بِتَحْرِيمٍ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ لِصِدْقِهِ بِالْحَلَالِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَسَوَاءٌ خُوطِبَ بِهِمَا ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى كَأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَوْلَجْت فِي فَرْجٍ أَوْ دُبُرٍ أَوْ أُولِجَ فِي دُبُرِك وَلَهَا أُولِجَ فِي فَرْجِكِ أَوْ دُبُرِكِ وَقَوْلُهُ صَرِيحَانِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ الْمُقَدَّرُ بِأَوْ التَّقْسِيمِيَّةِ أَيْ الرَّمْيُ بِكَذَا أَوْ الرَّمْيُ بِكَذَا صَرِيحَانِ وَلَوْ قَالَ صَرِيحٌ كَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ (وَزَنَأْت فِي الْجَبَلِ) بِالْهَمْزِ (كِنَايَةٌ) لِأَنَّ الزَّنْءَ فِي الْجَبَلِ هُوَ الصُّعُودُ فِيهِ (وَكَذَا زَنَأْت فَقَطْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْجَبَلِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي الصُّعُودَ وَالثَّانِي هُوَ صَرِيحٌ وَالْيَاءُ قَدْ تُبْدَلُ هَمْزَةً كَقَوْلِهِمْ رَوَيْت وَرَأَوْت وَالثَّالِثُ إنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ وَمَوَاضِعَ الْهَمْزِ وَتَرَكَهُ فَكِنَايَةٌ وَإِلَّا فَصَرِيحٌ (وَزَنَيْت فِي الْجَبَلِ) بِالْيَاءِ (صَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي هُوَ كِنَايَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ الصُّعُودَ وَلَيَّنَ الْهَمْزَةَ وَالثَّالِثُ إنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ فَصَرِيحٌ مِنْهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْتُ الصُّعُودَ وَتَرَكْتُ الْهَمْزَ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا فَكِنَايَةٌ مِنْهُ وَيُقْبَلُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ وَلَوْ قَالَ زَنَأْت فِي الْبَيْتِ بِالْهَمْزَةِ فَصَرِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الصُّعُودِ فِي الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ زَادَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيُّ وَأَنَّ غَيْرَهُ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَيْتِ دَرَجٌ يَصْعَدُ إلَيْهِ فِيهَا فَصَرِيحٌ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ. (وَقَوْلُهُ) لِلرَّجُلِ (يَا فَاجِرُ يَا فَاسِقُ) يَا خَبِيثُ (وَلَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ (يَا خَبِيثَةُ) يَا فَاجِرَةُ يَا فَاسِقَةُ، (وَأَنْتِ تُحِبِّينَ الْخَلْوَةَ وَلِقُرَشِيٍّ يَا نَبَطِيُّ وَلِزَوْجَتِهِ لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ) أَيْ بِكْرًا (كِنَايَةٌ) لِاحْتِمَالِهِ الْقَذْفَ وَغَيْرَهُ، وَالْقَذْفُ فِي يَا نَبَطِيُّ لِأُمِّ الْمُخَاطَبِ حَيْثُ نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُهُمْ فِي السَّيْرِ وَالْأَخْلَاقِ. (فَإِنْ أَنْكَرَ إرَادَةَ قَذْفٍ) فِي الْكِنَايَةِ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا دَفْعًا لِلْحَدِّ، أَوْ تَحَرُّزًا مِنْ إتْمَامِ الْإِيذَاءِ (وَقَوْلُهُ) لِآخَرَ (يَا ابْنَ الْحَلَالِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ وَنَحْوَهُ) كَقَوْلِهِ أُمِّي لَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ (تَعْرِيضٌ لَيْسَ بِقَذْفٍ، وَإِنْ نَوَاهُ) لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ إذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَنْوِيُّ، وَلَا احْتِمَالَ لَهُ هُنَا وَمَا يُفْهَمُ وَيُتَخَيَّلُ مِنْهُ فَهُوَ أَثَرُ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَقِيلَ: هُوَ قَذْفٌ إنْ نَوَاهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْفَهْمِ وَحُصُولِ الْإِيذَاءِ. وَقَوْلُهُ) لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِأَجْنَبِيَّةٍ (زَنَيْتُ بِكِ إقْرَارٌ بِزِنًى) عَلَى نَفْسِهِ (وَقَذْفٌ) لِلْمُخَاطَبَةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهَا لِزَوْجِهَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ زَنَيْتُ بِكَ فَهِيَ مُقِرَّةٌ بِالزِّنَى وَقَاذِفَةٌ لِلْمُخَاطَبِ وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْقَذْفِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ مُكْرَهًا، وَانْتِظَامِ الْكَلَامِ مَعَ ذَلِكَ. (وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ، أَوْ أَنْت أَزْنَى مِنِّي فَقَاذِفٌ وَكَانِيَةٌ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تُرِيدَ إثْبَاتَ الزِّنَى فَتَكُونَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مُقِرَّةً بِهِ وَقَاذِفَةً لِلزَّوْجِ، وَيَسْقُطُ بِإِقْرَارِهَا حَدُّ الْقَذْفِ عَنْهُ وَيُعَزَّرُ وَتَكُونُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ قَاذِفَةً فَقَطْ، وَالْمَعْنَى أَنْتَ زَانٍ وَزِنَاك أَكْثَرُ مِمَّا نَسَبْتنِي إلَيْهِ وَأَنْ تُرِيدَ نَفْيَ الزِّنَى أَيْ لَمْ يَطَأْنِي غَيْرُكَ وَوَطْؤُكَ بِنِكَاحٍ، فَإِنْ كُنْت زَانِيَةً فَأَنْتَ زَانٍ أَيْضًا أَوْ أَزْنَى مِنِّي فَلَا تَكُونُ قَاذِفَةً وَتُصَدَّقُ فِي إرَادَةِ ذَلِكَ بِيَمِينِهَا (فَلَوْ قَالَتْ) فِي جَوَابِهِ (زَنَيْتُ، وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَمُقِرَّةٌ) بِالزِّنَى (وَقَاذِفَةٌ) لَهُ وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: يَا زَانِي فَقَالَ زَنَيْتُ بِكِ، أَوْ أَنْت أَزْنَى مِنِّي فَهِيَ قَاذِفَةٌ صَرِيحًا، وَهُوَ كَانَ عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ إلَى آخِرِهِ، فَلَوْ قَالَ فِي جَوَابِهَا: زَنَيْتُ وَأَنْتِ أَزْنَى مِنِّي فَهُوَ مُقِرٌّ بِالزِّنَى وَقَاذِفٌ لَهَا عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ: زَنَيْت مِنْكَ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَهُوَ قَاذِفٌ وَهِيَ قَاذِفَةٌ فِي الْأُولَى مَعَ الْإِقْرَارِ فِيهِ بِالزِّنَى، وَكِنَايَةُ الثَّانِي فِي احْتِمَالِ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ أَهْدَى إلَى الزِّنَى، أَوْ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَيُقَاسُ بِمَا ذُكِرَ قَوْلُهَا لِأَجْنَبِيٍّ: يَا زَانِي فَيَقُولُ: زَنَيْتُ بِكِ وَأَنْتِ أَزْنَى مِنِّي، وَلَوْ قَالَتْ ابْتِدَاءً: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَفِي كَوْنِهِ قَذْفًا وَجْهَانِ يَأْتِيَانِ فِي قَوْلِهِ لَهَا ابْتِدَاءً أَنْتِ أَزْنَى مِنِّي وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: أَنْت مِنْ فُلَانٍ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَهُ: وَقِيلَ هُوَ قَذْفٌ لَهُمَا، لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَهُمَا فِي أَصْلِ الزِّنَى وَاخْتِصَاصَ الْمُخَاطَبِ بِمَزِيدٍ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا عَدَمُ الْقَذْفِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْقَذْفِ فِيهَا يَكُونُ الْقَائِلُ مُقِرًّا بِالزِّنَى لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَدُفِعَتْ بِأَنَّ النَّاسَ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ فِي الذَّمِّ وَالْمُشَاتَمَةِ لَا يَتَقَيَّدُونَ غَالِبًا بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ لِلَّفْظِ، فَلَا يُحْمَلُ إطْلَاقُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَاهُ وَقَدْ جَاءَ أَفْعَلُ فِي ذَلِكَ لِغَيْرِ الِاشْتِرَاكِ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً لِقَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِإِخْوَتِهِ {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} (وَقَوْلُهُ) لِغَيْرِهِ (زَنَى فَرْجُكَ) بِفَتْحِ الْكَافِ، أَوْ كَسْرِهَا (أَوْ ذَكَرُكَ) أَوْ قُبُلُكَ، أَوْ دُبُرُكَ (قَذْفٌ) لِأَنَّ مَا ذُكِرَ آلَةُ الْوَطْءِ، أَوْ مَحَلُّهُ (وَالْمَذْهَبُ أَنَّ قَوْلَهُ) زَنَى (يَدُكَ وَعَيْنُكَ) وَرِجْلُكَ، (وَلِوَلَدِهِ: لَسْتَ مِنِّي، أَوْ لَسْتَ ابْنِي كِنَايَةٌ وَلِوَلَدِ غَيْرِهِ: لَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ صَرِيحٌ إلَّا لِمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ زِنَى الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ اللَّمْسُ وَالْمَشْيُ وَالنَّظَرُ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ زِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَقِيلَ: فِيهَا وَجْهَانِ، أَوْ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صَرِيحٌ إلْحَاقًا لَهُ بِالْفَرْجِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فَمَا ذُكِرَ فِيهِمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلًا فِي الْأُخْرَى، فَحَكَى فِيهِمَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي قَذْفِ أُمِّ الْمُخَاطَبِ لِسَبْقِهِ إلَى الْفَهْمِ وَأَقْيَسُهُمَا أَنَّهُ كِنَايَةٌ لِاحْتِمَالِهِ غَيْرَ الْقَذْفِ، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَأَوَّلَ نَصَّ الْكِنَايَةِ وَبَعْضُهُمْ بِالثَّانِي وَحَمَلَ نَصَّ الْقَذْفِ عَلَى مَا إذَا أَرَادَهُ وَالْأَصَحُّ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَبَ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى تَأْدِيبِ وَلَدِهِ وَزَجْرِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِنَسَبِهِ يُحْمَلُ مَا قَالَهُ عَلَى التَّأْدِيبِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَيُسْتَفْسَرُ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ مِنْ زِنًى فَهُوَ قَاذِفٌ لِأُمِّهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُنِي خَلْقًا، أَوْ خُلُقًا فَيُقْبَلُ بِيَمِينِهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا لِمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ صَرِيحٌ أَيْ لَوْ قَالَ لِلْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ: لَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ يَعْنِي الْمُلَاعِنَ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي قَذْفِ أُمِّهِ فَلْيُسْأَلْ فَإِنْ قَالَ أَرَدْت تَصْدِيقَ الْمُلَاعِنِ فِي نِسْبَةِ أُمِّهِ إلَى الزِّنَى فَهُوَ قَاذِفٌ لَهَا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّ الْمُلَاعِنَ نَفَاهُ أَوْ انْتِفَاءَ نَسَبِهِ شَرْعًا، أَوْ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُهُ خَلْقًا، أَوْ خُلُقًا قُبِلَ بِيَمِينِهِ وَيُعَزَّرُ عَلَيْهِ لِلْإِيذَاءِ.
ثُمَّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْقَذْفِ فَقَالَ: (وَيُحَدُّ قَاذِفُ مُحْصَنٍ وَيُعَزَّرُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ قَاذِفِ الْمُحْصَنِ وَهُوَ قَاذِفُ غَيْرِ مُحْصَنٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْذُوفُ الزَّوْجَةَ أَوْ غَيْرَهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْحَدِّ وَشَرْطُهُ فِي بَابِهِ، وَبَيَانُ التَّعْزِيرِ فِي آخِرِ الْأَشْرِبَةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (وَالْمُحْصَنُ مُكَلَّفٌ) أَيْ (حُرٌّ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ عَفِيفٌ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ) بِأَنْ لَمْ يَطَأْ أَصْلًا، أَوْ وَطِئَ وَطْئًا لَا يُحَدُّ بِهِ بِخِلَافِ مَنْ وَطِئَ وَطْئًا يُحَدُّ بِهِ بِأَنْ زَنَى فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ. (وَتَبْطُلُ الْعِفَّةُ) الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْإِحْصَانِ (بِوَطْءِ مَحْرَمٍ مَمْلُوكَةٍ) لَهُ كَأُخْتِهِ، أَوْ عَمَّتِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) سَوَاءٌ قِيلَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ إنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ أَمْ لَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالزِّنَى، وَهُوَ أَفْحَشُ مِنْ الزِّنَى بالأجنبيات وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِهِ عَلَى الثَّانِي لِعَدَمِ الْتِحَاقِهِ بِالزِّنَى وَقَدْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْخِلَافِ الْمُرَتَّبِ بِالْمَذْهَبِ عَلَى خِلَافِ اصْطِلَاحِهِ (لَا) بِوَطْءِ (زَوْجَتِهِ فِي عِدَّةِ شُبْهَةٍ وَأَمَةِ وَلَدِهِ وَمَنْكُوحَتِهِ بِلَا وَلِيٍّ) أَوْ بِلَا شُهُودٍ (فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِقِيَامِ الْمِلْكِ فِي الْأُولَى وَثُبُوتِ النَّسَبِ فِيمَا بَعْدَهَا حَيْثُ حَصَلَ عُلُوقٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ فِي الْجَمِيعِ وَالثَّانِي تَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ وَوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ فِي غَيْرِ الْأُولَى، وَوَطْءُ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ فِي حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ اعْتِكَافٍ لَا يُبْطِلُ الْعِفَّةَ، وَقِيلَ فِيهِ الْوَجْهَانِ وَمُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَغَيْرِهِمَا لَا تُبْطِلُ الْعِفَّةَ بِحَالٍ. (وَلَوْ زَنَى مَقْذُوفٌ سَقَطَ الْحَدُّ) عَنْ قَاذِفِهِ (أَوْ ارْتَدَّ فَلَا) يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الزِّنَى يُكْتَمُ مَا أَمْكَنَ فَظُهُورُهُ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ مِثْلِهِ غَالِبًا، وَالرِّدَّةُ عَقِيدَةٌ وَالْعَقِيدَةُ لَا تَخْفَى غَالِبًا فَإِظْهَارُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ الْإِخْفَاءِ غَالِبًا، وَفِي الْأُولَى قَوْلٌ قَدِيمٌ بِعَدَمِ السُّقُوطِ لِطُرُوِّ الزِّنَى كَالرِّدَّةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ بِالسُّقُوطِ كَالزِّنَى. (وَمَنْ زَنَى مَرَّةً، ثُمَّ صَلُحَ) بِأَنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ (لَمْ يَعُدْ مُحْصَنًا) فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ سَوَاءٌ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَى أَمْ بِزِنًى بَعْدَهُ أَمْ أَطْلَقَ، لِأَنَّ الْعِرْضَ إذَا انْخَرَمَ بِالزِّنَى لَمْ تَنْسَدَّ ثُلْمَتُهُ بِالْعِفَّةِ الطَّارِئَةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: مَا أَرَى هَذَا يَسْلَمُ مِنْ الْخِلَافِ فَإِنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. (وَحَدُّ الْقَذْفِ يُورَثُ وَيَسْقُطُ بِعَفْوٍ) لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ لِتَوَقُّفِ اسْتِيفَائِهِ عَلَى مُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّ بِهِ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ شَأْنُهُ مَا ذُكِرَ وَتَعْزِيرُ الْقَذْفِ كَذَلِكَ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ) حَيْثُ مَاتَ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ كَالْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالثَّانِي يَرِثُهُ غَيْرُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ وَانْقِطَاعِ وَاسِطَةِ التَّعْبِيرِ، (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ مِنْ الْحَدِّ (فَلِلْبَاقِي) مِنْهُمْ (كُلُّهُ) أَيْ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كَوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ، وَالثَّانِي يَسْقُطُ جَمِيعُهُ كَمَا فِي الْقِصَاصِ، وَفُرِّقَ بِأَنَّ لِلْقِصَاصِ بَدَلًا يُعْدَلُ إلَيْهِ وَهُوَ الدِّيَةُ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ وَالثَّالِثُ يَسْقُطُ نَصِيبُ الْعَافِي وَيَبْقَى الْبَاقِي، لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّقْسِيطِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ السَّوْطُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الشَّرِكَةُ.
(فَصْلٌ: لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (قَذْفُ زَوْجَةٍ عَلِمَ زِنَاهَا) بِأَنْ رَآهُ بِعَيْنِهِ (أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا كَشِيَاعِ زِنَاهَا يُرِيدُ مَعَ قَرِينَةٍ بِأَنْ رَآهُمَا فِي خَلْوَةٍ) أَوْ رَآهَا تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا يُعْفِي مُجَرَّدُ الشِّيَاعِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُشِيعُهُ عَدُوٌّ لَهَا، أَوْ لَهُ، أَوْ مَنْ طَمِعَ فِيهِ فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ وَلَا مُجَرَّدُ الْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا لِخَوْفٍ، أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ طَمَعٍ، وَمِنْ صُوَرِ الظَّنِّ الْمُؤَكَّدِ أَنْ تُخْبِرَهُ بِزِنَاهَا، فَيَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهَا، أَوْ يُخْبِرَهُ بِهِ عَنْ عِيَانٍ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ حِينَئِذٍ الْقَذْفُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ اللِّعَانُ الَّذِي يَخْلُصُ بِهِ مِنْهَا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الِانْتِقَامِ مِنْهَا لِتَلْطِيخِهَا فِرَاشَهُ، وَلَا يَكَادُ يُسَاعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، أَوْ إقْرَارٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهَا وَيُطَلِّقَهَا إنْ كَرِهَهَا هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا وَلَدَ يَنْفِيهِ (وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ) مَعَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ (لَزِمَهُ نَفْيُهُ) لِأَنَّ تَرْكَ النَّفْيِ يَتَضَمَّنُ اسْتِلْحَاقَهُ، وَاسْتِلْحَاقُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ حَرَامٌ وَطَرِيقُ نَفْيِهِ اللِّعَانُ الْمَسْبُوقُ بِالْقَذْفِ فَيَلْزَمَانِ أَيْضًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ قَذْفُهَا إذَا عَلِمَ زِنَاهَا، أَوْ ظَنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَوَازِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَقْذِفُهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ قَالَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ (وَإِنَّمَا يَعْلَمُ) أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ (إذَا لَمْ يَطَأْ) (أَوْ) وَطِئَ وَ (وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْوَطْءِ) الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ (أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ) الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ (فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَهُمَا). أَيْ بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ الْوَطْءِ (وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ) بَعْدَهُ (بِحَيْضَةٍ حُرِّمَ النَّفْيُ) لِلْوَلَدِ رِعَايَةً لِلْفِرَاشِ وَلَا عِبْرَةَ بِرِيبَةٍ يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ (وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ حَلَّ لِلنَّفْيِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْفِيَهُ، لِأَنَّ الْحَامِلَ قَدْ تَرَى الدَّمَ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي إنْ رَأَى بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ قَرِينَةَ الزِّنَى الْمُبِيحَةَ لِلْقَذْفِ، أَوْ تَيَقَّنَهُ جَازَ النَّفْيُ، بَلْ وَجَبَ لِحُصُولِ الظَّنِّ حِينَئِذٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَرَ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ، وَرَجَّحَ الثَّانِيَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَالْأَوَّلَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْمُحَرَّرِ وَلَيْسَ فِي الْكَبِيرِ تَرْجِيحٌ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ مَا إذَا أَمْكَنَ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْ الزِّنَى بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الزِّنَى فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِهَا مِنْ الزِّنَى وَفَوْقَهَا مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَجُزْ نَفْيُهُ جَزْمًا كَمَا اسْتَدْرَكَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَالِاسْتِبْرَاءُ يَحْصُلُ بِظُهُورِ دَمِ الْحَيْضِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. (وَلَوْ وَطِئَ وَعَزَلَ حُرِّمَ) النَّفْيُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَسْبِقُهُ إلَى الرَّحِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحُسَّ بِهِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ جَعَلَ الْغَزَالِيُّ الْعَزْلَ مُجَوِّزًا لِلنَّفْيِ وَلَوْ وَطِئَ فِي الدُّبُرِ، أَوْ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَلَهُ النَّفْيُ عَلَى الْأَصَحِّ (وَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتَمَلَ كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْهُ وَمِنْ الزِّنَى) عَلَى السَّوَاءِ بِأَنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا (حُرِّمَ النَّفْيُ) رِعَايَةً لِلْفِرَاشِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (وَكَذَا) حُرِّمَ (الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ عَلَى الصَّحِيحِ) وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ الْقِيَاسُ الْجَوَازُ انْتِقَامًا مِنْهَا كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ، وَعُورِضَ بِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَضَرَّرُ بِنِسْبَةِ أُمِّهِ إلَى الزِّنَى، وَإِثْبَاتِهِ عَلَيْهَا بِاللِّعَانِ؛ إذْ يُعَيَّرُ بِذَلِكَ وَتُطْلَقُ فِيهِ الْأَلْسِنَةُ، فَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا الضَّرَرَ لِغَرَضِ الِانْتِقَامِ، وَالْفِرَاقُ مُمْكِنٌ بِالطَّلَاقِ.
(فَصْلٌ): فِي كَيْفِيَّةِ اللِّعَانِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ} الْآيَاتِ (اللِّعَانُ قَوْلُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (أَرْبَعَ مِرَارٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ هَذِهِ مِنْ الزِّنَى) أَيْ زَوْجَتَهُ إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً (فَإِنْ غَابَتْ سَمَّاهَا وَرَفَعَ نَسَبَهَا بِمَا يُمَيِّزُهَا) عَنْ غَيْرِهَا (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَى) وَيُشِيرُ إلَيْهَا فِي الْحُضُورِ وَيُمَيِّزُهَا فِي الْغَيْبَةِ، كَمَا فِي الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ وَيَأْتِي بَدَلَ ضَمَائِرِ الْغَيْبَةِ بِضَمَائِرِ التَّكَلُّمِ، فَيَقُولُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ إلَخْ. (وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ) الْخَمْسِ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ (فَقَالَ وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، أَوْ هَذَا الْوَلَدَ) إنْ كَانَ حَاضِرًا (مِنْ زِنًى لَيْسَ مِنِّي) وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ زِنًى لَمْ يَكْفِ فِي الِانْتِفَاءِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْوَطْءَ بِالشُّبْهَةِ زِنًى وَصَحَّحَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي حَمْلًا لِلَفْظِ الزِّنَى عَلَى حَقِيقَتِهِ وَجَزَمَ بِتَصْحِيحِهِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَأَصْلِ الرَّوْضَةِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ لَيْسَ مِنِّي لَمْ يَكْفِ عَلَى الصَّحِيحِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُهُ خَلْقًا وَخُلُقًا، وَلَوْ أَغْفَلَ ذِكْرَ الْوَلَدِ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ احْتَاجَ لِنَفْيِهِ إلَى إعَادَةِ اللِّعَانِ وَلَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إلَى إعَادَةِ لِعَانِهَا وَقِيلَ تَحْتَاجُ. (وَتَقُولُ هِيَ) أَرْبَعَ مِرَارٍ (أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيهِ) وَتُشِيرُ إلَيْهِ فِي الْحُضُورِ وَتُمَيِّزُهُ فِي الْغَيْبَةِ كَمَا فِي جَانِبِهَا فِي الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ وَتَأْتِي فِي الْخَامِسَةِ بِضَمِيرِ التَّكَلُّمِ، فَتَقُولُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيَّ إلَى آخِرِهِ وَلَا تَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ لِأَنَّ لِعَانَهَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَقِيلَ تَذْكُرُهُ فَتَقُولُ وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ لِيَسْتَوِيَ اللِّعَانَانِ.
(تَنْبِيهٌ): تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقْذِفُهَا إذَا احْتَمَلَ كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَحِينَئِذٍ يَقُولُ فِي اللِّعَانِ لِنَفْيِهِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي مِنْ الصَّادِقِينَ، فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ إصَابَةِ غَيْرِي لَهَا عَلَى فِرَاشِي وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ تِلْكَ الْإِصَابَةِ مَا هُوَ مِنِّي إلَى آخِرِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ، وَلَا تُلَاعِنُ الْمَرْأَةُ؛ إذْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا بِهَذَا اللِّعَانِ حَتَّى يَسْقُطَ بِلِعَانِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخَانِ مَا قَالَهُ.
(وَلَوْ بُدِّلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (لَفْظُ شَهَادَةٍ بِحَلِفٍ وَنَحْوِهِ) كَأَنْ قِيلَ: أَحْلِفُ، أَوْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ إلَى آخِرِهِ (أَوْ) لَفْظُ (غَضَبٍ بِلَعْنٍ وَعَكْسُهُ، أَوْ ذُكِرَا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهَادَاتِ لَمْ يَصِحَّ) ذَلِكَ (فِي الْأَصَحِّ) اتِّبَاعًا لِنَظْمِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ وَقِيلَ يَصِحُّ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَقِيلَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتِيَ بَدَلَ لَفْظِ الْغَضَبِ بِلَفْظِ اللَّعْنِ، لِأَنَّ الْغَضَبَ أَشَدُّ مِنْ اللَّعْنِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الْأَصَحِّ فَيُؤَثِّرُ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ.
(وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي اللِّعَانِ (أَمْرُ الْقَاضِي) بِهِ (وَيُلَقِّنُ كَلِمَاتِهِ) فِي الْجَانِبَيْنِ فَيَقُولُ: قُلْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إلَى آخِرِهِ، لِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ وَالْيَمِينَ لَا يُعْتَدُّ بِهَا قَبْلَ اسْتِحْلَافِ الْقَاضِي وَإِنْ غَلَبَ فِيهِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَهِيَ لَا تُؤَدَّى إلَّا عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ (وَأَنْ يَتَأَخَّرَ لِعَانُهَا عَنْ لِعَانِهِ) لِأَنَّ لِعَانَهَا لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهَا بِلِعَانِ الزَّوْجِ، (وَيُلَاعِنُ أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ) كَالْبَيْعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ قَذْفُهُ وَلَا لِعَانُهُ وَلَا غَيْرُهُمَا لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يُرِيدُهُ.
(وَيَصِحُّ) اللِّعَانُ (بِالْعَجَمِيَّةِ) وَإِنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ، لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ، أَوْ الشَّهَادَةِ وَهُمَا بِاللُّغَاتِ سَوَاءٌ، وَتُرَاعَى تَرْجَمَةُ الشَّهَادَةِ وَاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ (وَفِيمَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ وَجْهٌ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَانُهُ بِالْعَجَمِيَّةِ لِعُدُولِهِ عَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى الصِّحَّةِ بِهَا إنْ أَحْسَنَهَا الْقَاضِي اُسْتُحِبَّ أَنْ يَحْضُرَهُ أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا فَلَا بُدَّ مِمَّنْ يُتَرْجِمُ وَيَكْفِي مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ اثْنَانِ لِأَنَّ لِعَانَهَا لِنَفْيِ الزِّنَى وَفِي جَانِبِ الرَّجُلِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلِ إنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَى يَثْبُتُ بِاثْنَيْنِ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعَةٍ لِأَنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ قَوْلٌ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَى عَلَيْهَا كَمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَى قَوْلٌ يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَى وَأَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِالِاكْتِفَاءِ بِاثْنَيْنِ وَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُ الْإِقْرَارِ بِاثْنَيْنِ. (وَيُغَلَّظُ) اللِّعَانُ (بِزَمَانٍ وَهُوَ بَعْدَ عَصْرِ جُمُعَةٍ) فَيُؤَخَّرُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبٌ أَكِيدٌ فَإِنْ كَانَ فَبَعْدَ عَصْرِ أَيِّ يَوْمٍ كَانَ، لِأَنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ أَغْلَظُ عُقُوبَةً لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي ذَلِكَ، وَبَعْدَ عَصْرِ الْجُمُعَةِ أَشَدُّ، لِأَنَّهُ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِيهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَهُمَا يَدْعُوَانِ الْخَامِسَةَ بِاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ (وَمَكَانٍ وَهُوَ أَشْرَفُ بَلَدِهِ) أَيْ بَلَدِ اللِّعَانِ (فَبِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ) الْأَسْوَدِ (وَالْمَقَامِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَطِيمِ، وَقِيلَ فِي الْحِجْرِ (وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَبَيْتِ الْمُقَدَّسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ مِنْبَرِ الْجَامِعِ)، وَهَلْ يَصْعَدَانِ مِنْبَرَ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ نَعَمْ «لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيُّ وَامْرَأَتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ لَكِنْ ضَعَّفَهُ، وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الصُّعُودَ لَا يَلِيقُ بِحَالِهِمَا، وَالثَّالِثُ إنْ كَثُرَ الْقَوْمُ صَعِدَا لِيَرَوْهُمَا، وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) تُلَاعِنُ (حَائِضٌ بِبَابِ الْمَسْجِدِ) لِحُرْمَةِ مُكْثِهَا فِيهِ وَيَخْرُجُ الْقَاضِي إلَيْهَا أَوْ يَبْعَثُ نَائِبًا (وَذِمِّيٌّ فِي بِيعَةٍ) لِلنَّصَارَى (وَكَنِيسَةٍ) لِلْيَهُودِ، لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِنَا الْمَسَاجِدَ (وَكَذَا بَيْتُ نَارِ مَجُوسِيٍّ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهُ فَيَحْضُرُهُ الْقَاضِي رِعَايَةً لِاعْتِقَادِهِمْ لِشُبْهَةِ الْكِتَابِ وَالثَّانِي لَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ وَشَرَفٌ، فَيُلَاعِنُ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ (لَا بَيْتُ أَصْنَامِ وَثَنِيٍّ) لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَاعْتِقَادُهُمْ غَيْرُ مَرْعِيٍّ، فَيُلَاعِنُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَدْخُلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ، أَوْ هُدْنَةٍ (وَجَمْعٍ) أَيْ وَيُغَلَّظُ بِحُضُورِ جَمْعٍ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ. (أَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ) فَإِنَّ الزِّنَى يَثْبُتُ بِهَذَا الْعَدَدِ فَيَحْضُرُونَ إثْبَاتَهُ بِاللِّعَانِ (وَالتَّغْلِيظَاتُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) كَتَغْلِيظِ الْيَمِينِ بِتَعْدِيدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَوَجْهُ الْفَرْضِ الِاتِّبَاعُ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي الْمَكَانِ طُرِدَا فِي الزَّمَانِ وَالْجَمْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالِاسْتِحْبَابِ فِيهِمَا وَالْأَصَحُّ الْقَطْعُ بِهِ فِي الْجَمْعِ دُونَ الزَّمَانِ. (وَيُسَنُّ لِلْقَاضِي وَعْظُهُمَا) بِأَنْ يُخَوِّفَهُمَا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَقُولَ لَهُمَا: عَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَيَقْرَأَ عَلَيْهِمَا: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} الْآيَةَ (وَيُبَالِغُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ) مِنْهُمَا فِي الْوَعْظِ فَيَقُولُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ قَوْلَك عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ، تُوجِبُ اللَّعْنَةَ إنْ كُنْت كَاذِبًا، وَيَقُولُ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْغَضَبِ لَعَلَّهُمَا يَنْزَجِرَانِ وَيَتْرُكَانِ فَإِنْ أَبَيَا لَقَّنَهُمَا الْخَامِسَةَ. يُسَنُّ أَنْ يَتَلَاعَنَا قَائِمَيْنِ لِيَرَاهُمَا النَّاسُ وَيَشْتَهِرَ أَمْرُهُمَا وَتَجْلِسَ هِيَ وَقْتَ لِعَانِهِ، وَهُوَ وَقْتَ لِعَانِهَا.
(وَشَرْطُهُ) أَيْ الْمُلَاعِنِ (زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا وَسَوَاءٌ الذِّمِّيُّ وَالرَّقِيقُ وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالسَّكْرَانُ وَغَيْرُهُمْ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَلَا يَقْتَضِي قَذْفُهُمَا لِعَانًا بَعْدَ كَمَالِهِمَا وَيُعَزَّرُ الْمُمَيِّزُ عَلَى الْقَذْفِ تَأْدِيبًا وَلَا لِعَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَتَقَدَّمَ صِحَّتُهُ مِنْ الرَّجْعِيَّةِ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ، وَسَيَأْتِي صِحَّتُهُ مِنْ الْبَائِنِ حَيْثُ كَانَ وَلَدٌ.
(وَلَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ وَطْءٍ فَقَذَفَ وَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ لَاعَنَ) لِبَقَاءِ النِّكَاحِ (وَلَوْ لَاعَنَ) حَالَ الرِّدَّةِ (ثُمَّ أَسْلَمَ فِيهَا) أَيْ فِي الْعِدَّةِ (صَحَّ) لِعَانُهُ لِتَبَيُّنِ وُقُوعِهِ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ (أَوْ أَصَرَّ) عَلَى الرِّدَّةِ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ، (صَادَفَ لِعَانُهُ بَيْنُونَةً) لِتَبَيُّنِ الْفُرْقَةِ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ فَهُوَ نَافِذٌ، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهُ، وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الْأَصَحِّ. (وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ فُرْقَةٌ) لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا»، وَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْفُرْقَةُ كَانَ الِاجْتِمَاعُ حَاصِلًا وَهِيَ فُرْقَةُ فَسْخٍ كَالرَّضَاعِ لِحُصُولِهَا بِغَيْرِ لَفْظٍ وَتَحْصُلُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَادِقَةً لَا تَحْصُلُ بَاطِنًا (وَحُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ - وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ -) لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (وَسُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ) أَيْ حَدِّ قَذْفِهَا، أَوْ تَعْزِيرِهِ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ (وَوُجُوبُ حَدِّ زِنَاهَا) وَسَيَأْتِي سُقُوطُهُ بِلِعَانِهَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا فِيهِمَا حَدُّ الزِّنَى وَالذِّمِّيَّةُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَى مُقَابِلِهِ لَا يَجِبُ حَتَّى تَرْضَى بِحُكْمِنَا فَإِنْ رَضِيَتْ وَلَمْ تُلَاعِنْ حُدَّتْ (وَانْتِفَاءُ نَسَبٍ نَفَاهُ بِلِعَانِهِ) أَيْ فِيهِ حَيْثُ كَانَ وَلَدٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ (وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى نَفْيِ مُمْكِنٍ مِنْهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ) كَوْنُهُ مِنْهُ (بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْعَقْدِ) لِانْتِفَاءِ زَمَنِ الْوَطْءِ وَالْوَضْعِ (أَوْ) لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِزَمَانِ الْوَطْءِ وَالْوَضْعِ وَ (طَلَّقَ فِي مَجْلِسِهِ) أَيْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِانْتِفَاءِ إمْكَانِ الْوَطْءِ (أَوْ نَكَحَ وَهُوَ بِالْمَشْرِقِ وَهِيَ بِالْمَغْرِبِ) لِانْتِفَاءِ إمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ (لَمْ يَلْحَقْهُ) لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ مِنْهُ (وَلَهُ نَفْيُهُ مَيِّتًا) لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ بَلْ يُقَالُ: هَذَا الْمَيِّتُ وَلَدُ فُلَانٍ (وَالنَّفْيُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْجَدِيدِ) كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِجَامِعِ الضَّرَرِ بِالْإِمْسَاكِ وَالْقَدِيمُ لَا لِأَنَّ أَمْرَ النَّسَبِ خَطِيرٌ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ فَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ لَهُ النَّفْيُ مَتَى شَاءَ وَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِسْقَاطِهِ قَوْلَانِ (وَيُعْذَرُ) قَوْلُ الْفَوْرِ (لِعُذْرٍ) كَأَنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ لَيْلًا فَأَخَّرَ حَتَّى يُصْبِحَ أَوْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ فَقَدَّمَهَا أَوْ كَانَ جَائِعًا فَأَكَلَ أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا أَوْ لَمْ يَجِدْ الْقَاضِيَ فَأَخَّرَ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى النَّفْيِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ النَّفْيِ بِالتَّأْخِيرِ وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ.
(وَلَهُ نَفْيُ حَمْلٍ وَانْتِظَارُ وَضْعِهِ) لِيَتَحَقَّقَ وَيَنْتَفِيَ احْتِمَالُ كَوْنِهِ رِيحًا، فَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهُ وَلَدٌ وَأَخَّرْت رَجَاءَ الْإِجْهَاضِ مَيِّتًا فَأَكْتَفِي كَشْفَ الْأَمْرِ وَرَفْعَ السِّتْرِ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ النَّفْيِ فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ لِتَأْخِيرِهِ بِلَا عُذْرٍ مَعَ عِلْمِهِ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يُتَيَقَّنُ فَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ عَلِمْته (وَمَنْ أَخَّرَ) النَّفْيَ (وَقَالَ جَهِلْت الْوِلَادَةَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ غَائِبًا) قَالَ فِي الشَّامِلِ إلَّا أَنْ تَسْتَفِيضَ وَتَنْتَشِرَ (وَكَذَا الْحَاضِرُ) يُصَدَّقُ (فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ جَهْلُهُ فِيهَا) بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمَا فِي مَحَلَّةٍ أَوْ مَحَلَّتَيْنِ، أَوْ دَارٍ، أَوْ دَارَيْنِ، (وَلَوْ قِيلَ لَهُ: مُتِّعْتَ بِوَلَدِكَ أَوْ جَعَلَهُ اللَّهُ لَك وَلَدًا صَالِحًا فَقَالَ: آمِينَ، أَوْ نَعَمْ تَعَذَّرَ نَفْيُهُ) لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ لِلْإِقْرَارِ بِهِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَرْتَفِعُ بِالنَّفْيِ (وَإِنْ قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَوْ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَا) يَتَعَذَّرُ نَفْيُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ مُكَافَأَةَ الدُّعَاءِ بِالدُّعَاءِ. (وَلَهُ اللِّعَانُ مَعَ إمْكَانِ بَيِّنَةٍ بِزِنَاهَا) لِأَنَّهُ حُجَّةٌ كَالْبَيِّنَةِ (وَلَهَا) اللِّعَانُ (لِدَفْعِ حَدِّ الزِّنَى عَنْهَا بِلِعَانِهِ) وَلَا يَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهَا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ أَثْبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُلَاعِنَ لِدَفْعِ الْحَدِّ، لِأَنَّ اللِّعَانَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ فَلَا يُقَاوِمُ الْبَيِّنَةَ.